حكايات ألف ليلة 04 السَّمَكُ المَسْحُورُ
تَرَكَ الصَّيَّادُ السَّمَكَ المُلَوَّنَ الذِي اصْطَادَهُ عِنْدَ المَلِكِ وانْصَرَفَ، فَأَمَرَ المَلِكُ وَزِيرَهُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا السَّمَكَ العَجِيبَ إِلَى المَطْبَخِ، ويَطْلُبَ مِنَ الطَّاهِيَةِ المَاهِرَةِ أَنْ تَطْبُخَهُ فِي طَاجِنٍ لِيَتَذَوَّقَهُ. فَحَمَلَ الوَزِيرُ السَّمَكَ إِلَى الطَّاهِيَةِ، وأَمَرَهَا أَنْ تُنَفِّذَ أَمْرَ المَلِكِ بِدِقَّةٍ، فَقَالَتِ الطَّاهِيَةُ بِأَدَبٍ: "سَمْعًا وطَاعَةً، سَيِّدِي الوَزِيرَ".
بَدَأَتِ الطَّاهِيَةُ عَمَلَهَا، فَنَظَّفَتِ السَّمَكَ المُلَوَّنَ جَيِّدًا وغَسَلَتْهُ بِالمَاءِ الصَّافِي، ثُمَّ رَصَّتْهُ فِي الطَّاجِنِ ووَضَعَتْهُ عَلَى النَّارِ الهَادِئَةِ. وانْتَظَرَتْ حَتَّى نَضَجَ وَجْهُهُ المُلَاصِقُ لِلطَّاجِنِ، ثُمَّ قَلَبَتْهُ عَلَى الوَجْهِ الآخَرِ لِيَكْتَمِلَ نُضْجُهُ. وفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، حَدَثَ أَمْرٌ لَا يُصَدَّقُ؛ فَقَدِ انْشَقَّ حَائِطُ المَطْبَخِ فَجْأَةً، وخَرَجَتْ مِنْهُ فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا، تَرْتَدِي مَلَابِسَ فَاخِرَةً مِنَ الحَرِيرِ المُزَرْكَشِ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ، وفِي يَدَيْهَا أَسَاوِرُ وخَوَاتِمُ تَلْمَعُ بِالأَحْجَارِ الثَّمِينَةِ، وكَانَتْ تُمْسِكُ بِيَدِهَا عَصًا مِنَ الخَيْزُرَانِ.
تَقَدَّمَتِ الفَتَاةُ نَحْوَ الطَّاجِنِ، وغَرَسَتْ عَصَاهَا فِي السَّمَكِ وقَالَتْ: "يَا سَمَكُ.. يَا سَمَكُ.. هَلْ أَنْتَ عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ مُقِيمٌ؟". وظَلَّتْ تُكَرِّرُ سُؤَالَهَا هَذَا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، بَيْنَمَا تَقِفُ الطَّاهِيَةُ مَفْزُوعَةً لَا تَسْتَطِيعُ الحَرَاكُ. وفَجْأَةً، رَفَعَ السَّمَكُ رُؤُوسَهُ مِنَ الطَّاجِنِ ورَدَّ عَلَى الفَتَاةِ قَائِلاً: "نَعَمْ.. نَعَمْ". لَمَّا سَمِعَتِ الطَّاهِيَةُ كَلَامَ السَّمَكِ، لَمْ تَتَحَمَّلِ المَشْهَدَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهَا فَوْرًا. وأَكْمَلَ السَّمَكُ قَوْلَهُ لِلْفَتَاةِ: "إِنْ عُدْتِ عُدْنَا، وإِنْ وَافَيْتِ وَافَيْنَا، وإِنْ هَجَرْتِ فَإِنَّا تَكَافَيْنَا".
بَعْدَ ذَلِكَ، قَلَبَتِ الفَتَاةُ الطَّاجِنَ حَتَّى احْتَرَقَ السَّمَكُ تَمَامًا، ثُمَّ غَادَرَتِ المَطْبَخَ عَبْرَ الجِدَارِ الذِي انْغَلَقَ ورَاءَهَا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَقٌّ قَطُّ. عِنْدَمَا أَفَاقَتِ الطَّاهِيَةُ، وَجَدَتِ السَّمَكَ قَدْ صَارَ كَالفَحْمِ، فَوَقَفَتْ حَائِرَةً خَائِفَةً مِمَّا سَتَقُولُهُ لِلْمَلِكِ. وفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ دَخَلَ الوَزِيرُ، فَلَمَّا رَأَى السَّمَكَ مَحْرُوقًا غَضِبَ نَهَرَهَا، فَحَكَتْ لَهُ مَا جَرَى، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهَا وظَنَّ أَنَّهَا قِصَّةٌ مُلَفَّقَةٌ. لِذَلِكَ أَرْسَلَ فِي طَلَبِ الصَّيَّادِ وأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ أَرْبَعِ سَمَكَاتٍ أُخْرَى مِثْلَهَا تَحْتَ تَهْدِيدِ العِقَابِ.
أَحْضَرَ الصَّيَّادُ السَّمَكَ، فَأَعْطَاهُ الوَزِيرُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وحَمَلَ السَّمَكَ إِلَى المَطْبَخِ لِيُشَاهِدَ مَا سَيَحْدُثُ بِنَفْسِهِ. ومَا إِنْ وُضِعَ الطَّاجِنُ عَلَى النَّارِ، حَتَّى انْشَقَّ الحَائِطُ وظَهَرَتِ الفَتَاةُ وفَعَلَتْ مَا فَعَلَتْهُ فِي المَرَّةِ الأُولَى. تَمَلَّكَ العَجَبُ مِنَ الوَزِيرِ فَأَخْبَرَ المَلِكَ، فَأَرَادَ المَلِكُ أَنْ يَرَى السِّرَّ بِعَيْنَيْهِ. وطَلَبَ مِنَ الصَّيَّادِ سَمَكًا آخَرَ، ووَقَفَ يُشْرِفُ عَلَى الطَّبْخِ بِنَفْسِهِ، وتَكَرَّرَ المَشْهَدُ العَجِيبُ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ.
قَرَّرَ المَلِكُ أَنْ يَعْرِفَ مَصْدَرَ هَذَا السَّمَكِ، فَأَخْبَرَهُ الصَّيَّادُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ مِنْ بِرْكَةٍ خَلْفَ الجَبَلِ الكَبِيرِ لَا تَبْعُدُ عَنِ المَدِينَةِ سِوَى مَسِيرَةِ نِصْفِ سَاعَةٍ. خَرَجَ المَلِكُ مَعَ جُنُودِهِ إِلَى هُنَاكَ، وفَوْرَ رُؤْيَتِهِ لِلْبِرْكَةِ والأسْمَاكِ المُلَوَّنَةِ، أَقْسَمَ أَلَّا يَعُودَ لِمَمْلَكَتِهِ حَتَّى يَعْرِفَ حَقِيقَةَ هَذَا المَكَانِ. وفِي اللَّيْلِ، تَسَلَّلَ المَلِكُ وحِيدًا مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وسَارَ يَوْمَيْنِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَصْرٍ مَبْنِيٍّ مِنَ الحِجَارَةِ السَّوْدَاءِ.
دَخَلَ المَلِكُ القَصْرَ ونَادَى فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، حَتَّى سَمِعَ بُكَاءً آتِيًا مِنْ إِحْدَى الغُرَفِ. هُنَاكَ، وَجَدَ شَابًا وَسِيمًا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ، وبَكَى الشَّابُ عِنْدَمَا سَأَلَهُ المَلِكُ عَنْ سِرِّهِ. رَفَعَ الشَّابُ ثِيَابَهُ، فَصُدِمَ المَلِكُ عِنْدَمَا رَأَى أَنَّ نِصْفَهُ الأَسْفَلَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى حَجَرٍ، بَيْنَمَا نِصْفُهُ الأَعْلَى بَشَرٌ. وبَدَأَ الشَّابُ يَحْكِي قِصَّتَهُ؛ فَقَدْ كَانَ مَلِكًا لِهَذِهِ المَدِينَةِ، وتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ التِي كَانَتْ تُخْفِي شَرًا كَبِيرًا.
اكْتَشَفَ الشَّابُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَآمَرُ مَعَ أَبِيهَا الذِي سَجَنَهُ والِدُ الشَّابِ قَدِيمًا لِخِيَانَتِهِ. وحِينَمَا حَاوَلَ الشَّابُ قَتْلَ عَمِّهِ الخَائِنِ، أَصَابَهُ بِجُرْحٍ بَلِيغٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ. ولَمَّا عَلِمَتِ الزَّوْجَةُ، سَحَرَتْ زَوْجَهَا فَحَوَّلَتْ نِصْفَهُ لِحَجَرٍ، وسَحَرَتْ أَهْلَ المَدِينَةِ جَمِيعًا بِاخْتِلَافِ أَدْيَانِهِمْ (مُسْلِمِينَ، ونَصَارَى، ويَهُودًا، ومَجُوسًا) وحَوَّلَتْهُمْ إِلَى أَسْمَاكٍ مُلَوَّنَةٍ فِي البِرْكَةِ، وحَوَّلَتْ جُزُرَ المَمْلَكَةِ الأَرْبَعَةَ إِلَى جِبَالٍ. وكَانَتْ تَأْتِي كُلَّ لَيْلَةٍ لِتَضْرِبَ زَوْجَهَا بِالسَّوْطِ تَعْذِيبًا لَهُ.
تَأَثَّرَ المَلِكُ وقَرَّرَ مُسَاعَدَتَهُ، فَتَسَلَّلَ إِلَى القَبْوِ حَيْثُ يَرْقُدُ عَمُّ الشَّابِ الجَرِيحُ وقَتَلَهُ، ثُمَّ نَامَ مَكَانَهُ وتَغَطَّى. عِنْدَمَا جَاءَتِ الزَّوْجَةُ الشِّرِّيرَةُ، قَلَّدَ المَلِكُ صَوْتَ أَبِيهَا وأَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ النَّوْمَ بِسَبَبِ صُرَاخِ زَوْجِهَا ودُعَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ (الأَسْمَاكِ) عَلَيْهِ. فَصَدَّقَتْهُ السَّاحِرَةُ، وسَارَعَتْ لِفَكِّ السِّحْرِ عَنْ زَوْجِهَا، ثُمَّ رَشَّتِ المَاءَ عَلَى الجِهَاتِ الأَرْبَعِ لِيَعُودَ أَهْلُ المَدِينَةِ بَشَرًا والجِبَالُ جُزُرًا. وحِينَمَا عَادَتْ لِتُبَشِّرَ أَبَاهَا، خَرَجَ المَلِكُ مِنْ فِرَاشِهِ وقَتَلَهَا بِسَيْفِهِ، لِيُرِيحَ العَالَمَ مِنْ شَرِّهَا، وعَادَتِ الحَيَاةُ والسَّعَادَةُ إِلَى تِلْكَ المَمْلَكَةِ المَسْحُورَةِ.
